د.غالب القرالة
السخرية رديف للخطاب الجاد في الأدب
قديمة قِدَم الأدب نفسه، وجاءت في بعض المواضع لتكون رديفا للخطاب الجاد، ويلاحظ أن للسخرية مفاهيم متعددة، ومصطلحات كثيرة تقاربه، ولكنها تؤدي معاني متعددة، وفي أدبنا العربي –قديمه وحديثه- حضور لافت لأدب السخرية، أو للسخرية في الأدب. ويسعى المؤتمر النقدي السنوي الذي ينظمه قسم اللغة العربية في كلية الآداب في جامعة جرش لمناقشة هذا الموضوع من أبعاده كافة، وإلقاء المزيد من الضوء على بواعث السخرية وأهدافها وأنماطها وصولا إلى الأثر الناتج عنها، وتتيح محاور المؤتمر المجال أمام الباحثين لدراسة هذا الفن في الأدب العربي قديمه وحديثه، كما تتيح الفرصة للبحث في كيفية تجلي هذا الفن الأدبي لدى أعلام من الأدباء العرب واتجاهاتهم. لقد وضعت اللجنة التحضيرية للمؤتمر نصب عينيها هدفا ساميا تسعى إلى تحقيقه في كل دورة من دورات هذا المؤتمر النقدي السنوي، ويتمثل هذا الهدف في خدمة اللغة العربية، وتجلية ما يتصل بها من فنون أدبية وإبرازها بصورة تتناسب مع مكانة العربية، وذلك ضمن إطار علمي بحثي أكاديمي، وفي ظل المعيقات التي تواجه البحث العلمي في الجامعات العربية سواء أكانت مادية أو تنظيمية، إلا أن مؤتمر جامعة جرش النقدي يواصل مسيرته، وقد حقق أهدافا يدركها ذوو الاختصاص جيدا.
والألفاظ التي تدل على معنى السخرية فقد نثرت في الأدب الجاهلي، وأوردتها معاجم اللغة ومن هذه الأمثلة:
قال عبيد بن الأبرص:
وساخرة مني، ولو أن عينها *** رأت ما رأت عيني من الهول جنت
أبيت بسعلاة وغول بقفرة *** إذا الليل وارى اللحن فيه أرنت
وقال عبد المسيح بن عسلة العبدي:
فأما أخو قرط – ولست بساخر- *** فقولا له : يا اسلم بمرة سالما
وقال الراعي النميري
تغير قومي ولا أسخر *** وماحم من قدر بقدر
وبلفظ التهكم قال عامر المحاربي:
يغني حصين بالحجاز بناته *** وأعيي عليه الفخر إلا تهكما
وقال حسان يحرض بني أبي البراء على عامر بن الطفيل:
بني أم البنين ألم يرعكم *** وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبي براء *** ليخفره ، وما خطأ كعمد
وذكر الزمخشري هذا الشاهد في أساس البلاغة:
تهكم عمرو على جارنا *** وألقى عليه له كلكلا
وبلفظ الهزء قال عبد الله بن سلمة الغامدي:
على ما أنها هزئت وقالت *** هنون ، أجن؟ منشأ ذا قريب
وبلفظ الضحك قال عبد يغوث:
وتضحك مني كهلة عبشمية *** كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا
أما الأبيات التي تدل على سخرية الجاهليين، فهي قليلة عثرت منها على هذه الأبيات:
فمن ناحية الاستخفاف، قال امرؤ القيس – لما فرقت بنو نبهان عليه فرقا من معزى يحلبها أنشأ يقول تنديدا واستخفافا:
إذا ما لم تكن إبل فمعزى *** كأن قرون جلتها العصى
إذا ما قام حالبها أرنت *** كأن القوم صبحهم نعمى
وقال قريط بن أنيف المزني يتهكم بقومه:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة *** ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته *** سواهم من جميع الناس إنساناً
وقال الجميح:
فدى لسلمى ثوباي إذ دنس الـ *** قوم وإذ يدسمون ما دسموا
قال ابن الأنباري : وتفديته أمهم استهزاء بها وبهم.
تشحذ بالدرع والخمار فلا *** تخرج من جوف بطنها الرحم
وقال زهير:
فتغلل لكم مالا تغل لأهلها *** قرى بالعراق من قفيز ودرهم
No comments:
Post a Comment