الفقراء وعزة النفس
بقلم الدكتور محمد القصاص
في كثير من اللقاءات والندوات الرسمية وغير الرسمية ، أول ما يتكلم عنه الناس هو الفقر والبطالة ، بصفتهما قضيتان مهمتان في المجتمعات ، تتعلقان بمعيشة الإنسان ولقمة عيشه ، وقد أجمع الكثير من الاقتصاديين هنا في الأردن على أن الدخل الحالي للإنسان لن يكون مجدا إذا ما قلَّ عن خمسمائة دينار ، وكان هذا الرقم هو الحدّ الفاصل ما بين الفقر المدقع والحياة الكريمة بأقل تكاليفها .
دعوني أتكلم بصراحة ، وأرجو من القراء الأعزاء ، إن رغبوا بمعرفة الهدف من كتابة هذا المقال أن يقرءوه إلى نهايته ، فأنا أتكلم عن المجتمع الذي أعرفه حق المعرفة ، بل ورأيت منه نماذج بأم عيني ، وهو مجتمع الفقراء ، الذين أعرف بأنهم من أفقر الناس جميعا ، فمنهم ليس لديه أي مردود مادي أبدا ، ومنهم من لا يتجاوز مردوده المادي الثلاثمائة دينار أدرني فقط .
لكن الملفت للنظر بأن مثل هؤلاء يمتلكون الإرادة والقوة وعزة النفس ، فيتحملون شظف العيش ومرارة الفقر وقسوة الحياة ، على أن يفرطوا بشيء اسمه الكرامة وعزة النفس ، ولهذا السبب فهم عرفوا بأنهم من الكرماء الذين ينطبق عليهم معنى الآية الكريمة :
بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ....
(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
القول في تأويل قوله : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
قال أبو جعفر: أما قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله "، فبيان من الله عز وجل عن سبيل النفقة ووجهها. ومعنى الكلام: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم تنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.
" واللام " التي في" الفقراء " مردودة على موضع " اللام " في" فلأنفسكم " كأنه قال: " وما تنفقوا من خير " - يعني به: وما تتصدقوا به من مال فللفقراء الذين أحصروا في سبيل الله. فلما اعترض في الكلام بقوله: " فلأنفسكم "، فأدخل " الفاء " التي هي جواب الجزاء فيه، تركت إعادتها في قوله: " للفقراء "، إذ كان الكلام مفهوما معناه) .
هكذا رأيت أن استشهد بهذه الآية على أن أركز على جملة واحدة من الآية ، وهي (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) ، أرأيتم ما أبلغ الوصف ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف .
لكن ما يدمي القلب فعلا ، ويدمع العين ، هو أن نرى الكثير من الأغنياء هم الذين يتهافتون على أماكن المساعدة والصدقات وما تقدمه الجمعيات الخيرية من مواد تموينية على اختلاف أنواعها ، فقد رأيت الكثير منهم يقفون بطوابير ، بعد أن أوقفوا سياراتهم على قارعة الطرق منتظرين نصيبهم من الصدقات ، أعطوا أو منعوا ..
وأما الأسوأ فإن الواسطات والمحسوبيات ، التي تلقي بظلالها على الموضوع برمته ، لتكون سببا في حرمان الكثير من الفقراء من أجل أن تتغمد أولئك الشرذمة الطامعين بشيء من الصدقات ، بينما لا أجد تواجدا في كثير من الأحيان للفقراء حضورا أبدا ، لأن الواسطة والمحسوبية لم تشملهم بالرعاية والعطف ، لذلك حرموا من كل شيء ، ولا أقول من حقهم ، لأن تلك الصدقات تأتي من جهات مختلفة ، لا نعلم معظمها ، وقد نجد أنَّ معظم المواد التموينية منافية تماما للمواصفات والمقاييس ، وقد لا تكون صالحة للاستهلاك البشري ، نظرا لانعدام الرقابة الحقيقية عليها .
لا أعلم إن كنت على حق حينما أتطرق لنوعيات من الناس الذين نجد لهم حضور دائم في كل المناسبات مهما كانت ، وأستغرب كيف يعرفون فعلا بتلك المناسبات وبمواعيدها ، دلالة على أن الشرذمة التي ذكرت ، لها أيضا طبيعة الذباب ، فهي تشتم رائحة الدسم وتعرف مواعيده بكل الوسائل المتاحة لديهم .
والأغرب من هذا كله أن الكثير من أولئك الذين افتقدوا كثيرا من توازنهم ، وأصبحوا بلا وازع من ضمير ، ولا ناصح ولا مدبر يأخذ بنواصيهم فيردعهم عن ارتكاب الأعمال الذميمة ، ولم تثنهم عن طبيعة الوقوع بالفحش والأخطاء الجسام ، بل لا يتورعون عن وضع أنفسهم بمواقف قد تسيء لهم وتجردهم من كل شيم الكرم والأخلاق الحميدة .
المقاييس لمعرفة معادن الرجال كثيرة ، فوالله لتجدن في كثير من الأحيان رجالا يتسابقون على كأس من الماء ، أو علبة عصير ، أو يقحمون أنفسهم في كثير من المواقف المخزية ، حينما يتسابقون على وليمة ليوجدوا لأنفسهم أمكنة استراتيجية أمام المنسف ، بحيث لا يتيح لأحد غيره أن يسبقه إلى ذلك المكان ، ولن أدخل بالتفاصيل لأنها مؤذية للنفوس .
يا أخي عندما تكون رجلا ولديك كرامة ، عليك أن تحافظ على كرامتك ، وأن تجنب نفسك المواقف المزرية ، وأن تترفع عن الدنايا وعن التفاهات ، ولتعلم بأن كل أموال الدنيا لن تغير ما بنفسي من أنفة ، ولا تثنيني أبدا عن الارتقاء بنفسي إلى المعالي ، وأنا أعلم تماما بأن كرامتي وكبريائي ليس بأكل الزاد الكثير ولا الدسم ، ولا بالحصول على أرزاق الفقراء ، ولا بالتسابق على الصفوف الأمامية التي أصبح التسابق عليها وبالا على الكثير من الناس ، فبتنا نأتي إلى الندوات أو المحاضرات ، لنجد أن معظم المقاعد قد حجزت للزبانية ، بناء على علاقات ذميمة قذرة ، وأنا لا أقول هذا إلا ترفعا عن ارتكاب مثل هذه التفاهات من أجل الظهور في الصور ، التي كثيرا ما يحرم منها معظم الناس حقدا وحسدا وكراهية وكأن الصورة أيضا هي من الصدقات التي تأتي للفقراء ، ولسبب من الأسباب ، وجدت أن الصفوف الأمامية في المساجد هي الأولى بأن تكون هدفا لكل الرجال العظماء وأصحاب الفضل ، الذين يأتون إلى الصلوات إن أتوا في آخر دقيقة .
فلماذا لا يتسابق الرجال ليأخذوا أماكنهم في الصفوف الأمامية في المساجد بدل أن يتسابقوا ويتم الحجز لهم قبل أيام في الصفوف الأمامية لا تعدوا عن كونها تفاهات وشكليات تفتقر إلى كثير من الأخلاق والأدب .
من اليوم .. سأتجنب بالإطلاق حضور أية ندوة من الندوات ، قد أجد أن الصفوف والمقاعد الأمامية قد تم حجزها لأي إنسان كائن من كان ، فهو مهما بلغ من العلم والثقافة والبسطة في الجسم لن يكون أكرم مني أبدا ، والآية الكريمة في هذا المضمار واضحة ، فقد قال تعالى : أن أكرمكم عند الله أتقاكم ، ولم يقل أطولكم ولا أغناكم ، ولا أكثركم مالا ولا أعلاكم جاها ومنصبا .
إنني أقول وبصدق : بأن الضيوف والمحاضرين الذين تخصص لهم في العادة أمكنة أمام الحضور في مكان مخصص على المنصة ، هم فقط من تترك لهم تلك الأماكن فارغة ، وأما غيرهم فهم كغيرهم من الرعاع ، لا يجوز لهم أن يتبؤوا مثل تلك الأماكن بحجزها لهم مسبقا ظلما وعدوانا ، واحتقارا لغيرهم من الناس على اختلاف مستوياتهم ....
والله ولي التوفيق ،،،،
No comments:
Post a Comment