Monday, September 17, 2018

نص ادبي بعنوان (الوطن وحب الوطن)للدكتور صالح العطوان الحيالي

الوطن وحب الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــ د.صالح العطوان الحيالي -العراق-15-9-2018
الوطن هو الأم والحضن الكبير الذي يحوي كل أفراد الشعب، وهو المكان الذي مهما ابتعد الإنسان عنه يبقى دائماً معلقاً به، ويتمنى العودة إليه عندما يُسافر ويبقى الحنين والشوق له، فتعلُّق الإنسان بالأرض والوطن أمر فطريّ غريزيّ، لأن الإنسان يشعر بأن هناك علاقة بينه وبين الأرض وترابها وسمائها، وكُل ما فيها، فحياته وذكرياته كُلها كانت في وطنه. الحب لا يكون بالعبارات ولا بالأشعار وإنما بالأفعال والإنجازات اتجاه أوطاننا، فيجب علينا الدفاع عنه وحمايته، والمحافظة على نظافته، والمحافظة على الممتلكات العامة. كما يجب أن نرتقي به نحو كُل ما هو أفضل فلا ننسى دورنا في التعليم والقيام بإنجازات علمية تجعله يواكب التطوّرات الحاصلة في زماننا، وفي جميع المجلات مثل الطب، والهندسة، والتعليم، وحتى المهن الحرفية البسيطة. من واجب الآباء والأمهات أن يحبِّبوا أبناءهم بالوطن، حتى ينشأ جيل قويّ قادر على الحفاظ على بلاده من كُل خطر أو مضرّة قد تأتيه من الخارج. في التاريخ سجل الكثير من أبطال الذي ضحوا بحياتهم دفاعاً عن أوطانهم، وهذا كُله نابع من حبهم للوطن، فحب الوطن هو حُب للمكان الذي وُلد فيه الشخص ونشأ فيه، وأكل وشرب من خيراته وهو المكان الذي يجعله يشعر بالأمن والاستقرار والحُرية، لأنه بين أهله وأقاربه، وقد تغنى العديد من الشُعراء بأوطانهم وعبّروا عن حبهم له، ومن أشهر الأبيات الشعرية التي تتغنى بالوطن وتُعبّر عن مكانته في قلب كُل إنسان: وطني لو شُغلتُ بالخُلد عنه نازعتني إليه بالخُلد نفسي الشعور بالحب نحو الأوطان والحنين لها لا يقتصر على الشعراء فقط، بل إن أغلب ملوك الدول أحسُّوا بذلك، خاصة خلال جولاتهم خارج بلادهم، فالغُربة هي من يخلق فينا الحنين لأوطاننا، ودليل ذلك ما قاله نابليون بونابرت وهو على سرير الموت: "خُذوا قلبي ليُدفن في فرنسا". الجميل أن الوطن يستطيع الاستحواذ على قلب مواطنيه حتى لو لم يكُن ذا طبيعة خلاّبة أو به عدد من السواحل، أو يمتاز بالتطوّر العمراني بل إن حُب الشخص لوطنه نابع من الفِطرة حتى لو كان ذاك الوطن صحراء قاحلة.
حُب الوطن في الإسلام يحث ديننا الإسلامي على الولاء والوفاء للأوطان وحبها، فعندما أجبر خير الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على الخروج من مكة المكرمة قال: " ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أنّ قومك أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ "، فيعلِّمنا عليه السلام واجب حب الوطن والانتماء إليه.
قال صلى الله عليه وسلم :وهو خارج من مكة - كما روى القرطبي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما -
قال: (لما خرج النبي (ص ) من مكة إلى الغار التفت إلى مكة، وقال: اللهم أنت أحب البلاد إلى الله، وأنت أحب البلاد إلي، ولولا المشركون أهلك أخرجوني لما خرجت منك)، فنزلت الآية {وكأين من قرية هي أشد قوة... الآية} [ذكره الثعلبي، وهو حديث صحيح]. وروى أيضاً الترمذي والحاكم وابن حبان وغيرهم؛ قول النبي ( ص ) لمكة (ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)، وفي رواية: (والله إني لأعلم أنك خير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت).
الوطن هو الأرض التي أول ما رأت عيناك سهولها وبطاحها، وتغلغلت في رئتيك أنسامها، ولعبت بين أحجارها مع أترابك، وهي التي تشدك إليها حبال الحنين مهما بعدت وكما قال إسحاق الموصلي في وصف شوقه لمدينته بغداد وما أصابه من الحزن على فراقها حيث يخاطب قلبه الذي راح ينفطر:
أتبكي على بغداد وهي قريبة ......فكيف إذا ما ازددت عنها غداً بعدا
لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى ...... لو أنا وجدنا من فراق لها بدا
كفى حزناً أن رحت لم أستطع لها .....وداعاً ولم أحدث لساكنها عهدا
أثمن ما في الوجود هو الوطن، الذي يضحي الإنسان بحياته دفاعاً عن ترابه المقدس، لأنه يستمد منه انتمائه وكيانه الإنساني؛ وأصعب شيء على النفس البشرية أن تكتب عن شيء ضاع منها، وضع العديد من الإحتمالات عن ملامح مكان وجوده في زمان معين اعتماداً على الذاكرة، والذاكرة مهما حاول الإنسان الاعتماد على الدقة والأمانة تبقى خداعة. فالذاكرة أحيانا لا تقول الأشياء التي تعيها، والمكان في حالات كثيرة ليس حيزاً جغرافياً فقط، فهو أيضاً البشر في زمن معين لتكشف العلاقة الجدلية بين عناصر متعددة، متشابكة ومتفاعلة، وهي في حركة دائمة وتغير مستمر، وكيفية النظر إليها من أي زاوية وفي أي وقت وبأية عواطف وأن تبحث عمن تحب، وكيف إذا كان ذلك هو الوطن؟، حين تكون بعيداً أو مبعداً عنه الذي تمتع الإنسان بالنظر والعيش بين مناظره الطبيعية الخلابة، وسمائه، وغيومه، شمسه، قمره، سهوله، طيوره، أشجاره، وزهوره مباركة لهذا الجمال، وكما يقول الآباء جوهرة ناندر؛ فهو لا يقتصر على طيب هوائه ومائه ولا يتوقف يوماً واحداً في السنة، ولا عن روعة الليل فيه. في الوطن ثمره اللذيذ وأهله البسطاء، وكرمهم الوفير، وما أدراك إذا كان مسقط الرأس الذي ترعرع فيه وتربى فوق ترابه وارتوى وتنفس من هوائه وتدثر بسمائه وذاق حلاوة السعادة ليصبح رمزاً لكل ما مضى، وقد طرد منه ولا يسمح له بالعودة ثانية؛ وما عليه إلا أن يفتش عنه في دفاتر الزمن وأزقة الذاكرة، أو ممن تبقوا من الذين عاصروه لإظهار هويته الوطنية والتاريخية، بهدف إحياء الجذور للحيلولة دون طمسها أو استبدالها. بذلك تبقى كافة مدن الوطن وقراها وشوارعها، تاريخاً وحضارة ونضالاً وتراثاً مهماً في عقول كل ساكنيه جسداً وروحاً؛ تتجسد معالمها وتضاريسها ومبانيها وطبيعتها في العيون لكل الأجيال القادمة، وبذكراها العطرة التي تهب بر الأثير ببيارات برتقالها وبساتين فواكهها وأزهار ربيعها التي يندر وجودها في أماكن أخرى كي نسجلها للأجيال القادمة ليتشرف ترابها فيزداد التصاقاً بها، حتى يكون حافزا لها على أن يحثهم ويحفزهم ليعملو للعودة إلى هذا الوطن. إن تدوين التاريخ شيء مهم في الكتابة عن البلد الذي يحبه، فأنت تقوم بتحويل الأحجاز والأزهار والناس والماء والهواء إلى كلمات، لكن الكلمات نفسها مهما كانت متقنة لرسم اللوحات التي تتخيلها من أمكنة وأزمنة مضت أو ما زالت، فهي لا تتعدى أن تكون ظلالاً باهتة مهما وعت الذاكرة لحياة كانت أغنى وأكثر جمالاً وكثافة، ومليئة بالتفاصيل التي يصعب استعادتها مرة أخرى في ذاكرة الأجيال الجديدة، إلا أن عظمة الأوطان تقاس بغظمة تاريخها الذي تصنعه العقول، وعرق أبنائه وسواعدهم. وأخيرا إن من لا يملك انتماءً للأرض التي ربى عليها آباؤه وأجداده وهو نفسه، لا يملك الحق لأن يحمل جنسيتها ويأكل من خيراتها ويعيش على أرضها وبين أهلها وينال من رزقها.
الوطن، يا لها من كلمة صغيرة في عدد حروفها، ما أكبرها وأعظمها وأشملها في المعاني، فكلمة الوطن تعني البيت والحضن الدافيء، تعني المأوى والملجأ، تعني فسحة اللعب واللهو والمرتع، وكذلك تعني مكان السعادة والراحة. الوطن له حقوق عديدة، له علينا أن نحفظ ماءه الذي طالما ارتوينا به، والحفاظ على أرضه التي طالما تعبنا ونحن نلعب فوقها ونمشي عليها، تلك الأرض التي وفّرت لنا غذاءنا، والتي لطالما سحرتنا بجمالها الخلاب، وخضرتها الرائعة التي لهونا في ربوعها، يجب علينا أن نحمي سماءها التي لطالما لعبنا تحتها، وتنشقنا هواءها، يجب علينا أن نعمل على حمايته، والحفاظ على جماله، فعندما نتغنى ونسحر بجماله، يجب علينا أن نعمل لنحفظ على الجمال، بل لنزيده أيضًا. بعد كل ما سبق ذكره فإنّه من الواجب علينا -كردٍ لهذا الجميل الكبير- أن نفديه بأرواحنا، أن نجود بدمائنا رخيصة لأجله، أن نقدم كل غالٍ ونفيس من أجل الحفاظ على حريته واستقراره، وأن نمنع كل تحدٍ يعوق دون رخائه، حتى لو اضّطهدت في وطنك، حتى وإن ظُلمت في وطنك، يبقى هو الحضن الدافئ الذي يضمك، يقول في ذلك الشاعر: "بلادي وإن جارت عليّ عزيزة". وعندما نذكر الوطن وأهمية حمايته، فإنّا نذكر الشباب أصل حضارته، وعمود تقدمه، وطاقته الدائمة المتدفقة الدافعة به في مصاف الدول التي يحسب لها حساب، ومن الدول التي تسمع كلمتهم، لذلك فمن واجب الدول صناعة جيل شاب متعلم ومثقف ومتفهم، لذلك فمن واجب المسؤولين أن يخرّجوا جيلًا قياديًا قادر في المستقبل أن يأخذ بالوطن إلى الأمام، يجب سن المناهج الهادفة، والأنشطة المفيدة، وأن توفر لهم مخيمات تنمي قدراتهم الإبداعية وتشجعهم، وتفرغ الطاقات الهادرة بطريقة إيجابية سليمة. الإنسان بلا وطن، هو بلا هوية، بلا ماضٍ أو مستقبل، فهو غير موجود فعليًا، ولبناء الوطن الرائع، لابد من بناء لبناته الأساسية بسلامة، واللبنة الأساسية لبناء كل مجتمع هي الأسرة، فإذا كانت الأسرة سليمة نتج عن ذلك وطن سليم، والعكس بالعكس، لذا فإنّه ومن واجب الوالدين أن يغرسا في نفوس أبنائهم ومنذ الصغر حب الوطن وتقديره، أنّه يتوجب عليهم أن يجدوا ويجتهدوا من أجل وطنهم الذي ولدوا وترعرعوا فيه، وشربوا من مائه، وعاشوا تحت سمائه، وفوق أرضه، وأن يتركوا لهم بصمة في هذا الوطن تدل عليهم، فالوطن لا ينسى أبناءه، ولا ينسى أسماء العظماء منهم

No comments:

Post a Comment